سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
312
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
داعي يبعثه إلى حفظ ما لهم من الشرف والسيادة بل له من البواعث القوية ما يحمله على تذليلهم وإهباطهم إلى أحط المنازل ؛ ليخلفهم على مثل ما كانوا عليه أو أعلى . فما الذي أمسك بألسنتهم عن الكلام ؟ ! فمن أي شيء يخافون ؟ وما الذي يخشونه على أرواحهم أو على بلادهم إذا قالوا حقا وثبتوا عليه ؟ ماذا يصنع بهم الإنجليز إذا علموا صدقهم في محبة أوطانهم واتفاق كلمتهم على الرغبة في إنقاذها ؟ هل علموا من عدل الإنجليز أنهم يؤاخذون الناس على إبداء آرئهم إذا دعوا إلى المشورة ! إن كان هذا فما يبتغون من الحياء ! هل ظنوا أن الإنجليز إذا أحسوا باتفاق في الآراء على مصلحة من مصالح البلاد - وإن كانت في خروجهم من مصر - يستطيعون تحت أعين أوروبا وسلطان العدل أن يوصلوا ضررا إلى المتفقين وهم أمراء البلاد وأعيانها ؟ إن رياض باشا وحده لم يخش من إظهار فكره فماذا كان يضر الأمراء الوطنيين لو عززوه أو كاتفوه على مثل رأيه ؟ قد علم العقلاء من كل أمة أن أشباه هذه الحوادث تكون سببا في اجتماع الكلمة واتحاد الرأي على مصادمتها ، وما نراه اليوم وفي كل زمن من سعادة الأمم العظيمة إنما كان منشؤه ملمّات الشقاء التي أنستهم وتنسيهم الضغائن والأحقاد وحملتهم على ترك المنافرات الخصوصية وأخذ كل بيد أخيه لدفع ما يخشى منه على بناء الأمة أن ينصدع وأساس الملة أن ينقلع ، وما سمعنا من أمة اتفقت فخابت ولا ملة افترقت فنجحت ؟ ألا فليعلم الأمراء أن أوروبا واقفة بالمرصاد لإنجلترا تترقب لها الزلل وتتمنى لها الغلط وأن جميع الأسماع في الممالك الأوروبية مصغية لكلمة يتفق عليها وجهاء المصريين - وهي : إننا قادرون على إصلاح شئوننا ولا نريد قوة أجنبية تحل في ديارنا ، امتدت أعناق السياسيين في أوروبا وانحنت إلى المصريين ليسمعوا منهم كلمة حتى كلّت رقابهم والتوت أعصابها والمصريون يشحّون بها عليهم ، ماذا يخشى المصريون وأمراؤهم من قول الحق ؟ إن الأمم اليوم لا تطلب منها إشهار السلاح ولا بذل الأرواح ولكن تطلب منهم قولا صريحا ولا يجلب إليهم ضررا ولا يقرب منهم خطرا . . . لا حول ولا قوة إلا باللَّه . * * *